الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
54
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والكلام مرتبط بما افتتحت به السورة من قوله : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ لأنّ في التذكير بالنعمة تعريضا بالحثّ على الوفاء . ذكّرهم بنعم مضت تذكيرا يقصد منه الحثّ على الشكر وعلى الوفاء بالعهود ، والمراد من النّعمة جنسها لا نعمة معيّنة ، وهي ما في الإسلام من العزّ والتمكين في الأرض وذهاب أحوال الجاهلية وصلاح أحوال الأمّة . والميثاق : العهد ، وواثق : عاهد . وأطلق فعل واثق على معنى الميثاق الّذي أعطاه المسلمون ، وعلى وعد اللّه لهم ما وعدهم على الوفاء بعهدهم . ففي صيغة واثَقَكُمْ استعمال اللّفظ في حقيقته ومجازه . و إِذْ اسم زمان عرّف هنا بالإضافة إلى قول معلوم عند المخاطبين . والمسلمون عاهدوا اللّه في زمن الرّسول صلى اللّه عليه وسلّم عدّة عهود : أوّلها عهد الإسلام كما تقدّم في صدر هذه السورة . ومنها عهد المسلمين عندما يلاقون الرّسول - عليه الصلاة والسلام - وهو البيعة أن لا يشركوا باللّه شيئا ولا يسرقوا ولا يزنوا ولا يقتلوا أولادهم ولا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم ولا يعصونه في معروف ، وهو عين العهد الذي ذكره القرآن في سورة الممتحنة عند ذكر بيعة النساء المؤمنات ، كما ورد في الصّحيح أنّه كان يبايع المؤمنين على مثل ذلك ، ومنها بيعة الأنصار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم في موسم الحجّ سنة ثلاث عشرة من البعثة قبل الهجرة . وكانوا ثلاثة وسبعين رجلا التقوا برسول اللّه بعد الموسم في العقبة ومعهم العبّاس بن عبد المطلب ، فبايعوا على أن يمنعوا رسول اللّه كما يمنعون نساءهم وأبناءهم ، وعلى أنّهم يأوونه إذا هاجر إليهم . وقد تقدّم هذه البيعة بيعتان إحداهما سنة إحدى عشرة من البعثة ، بايعه نفر من الخزرج في موسم الحجّ . والثّانية سنة اثنتي عشرة من البعثة ، بايع اثنا عشر رجلا من الخزرج في موسم الحجّ بالعقبة ليبلّغوا الإسلام إلى قومهم . ومن المواثيق ميثاق بيعة الرضوان في الحديبية تحت الشجرة سنة ستّ من الهجرة ، وفي كلّ ذلك واثقوا على السمع والطاعة في المنشط والمكره . ومعنى سَمِعْنا وَأَطَعْنا الاعتراف بالتّبليغ ، والاعتراف بأنّهم سمعوا ما طلب منهم العهد عليه . فالسمع أريد به العلم بما واثقوا عليه ، ويجوز أن يكون سَمِعْنا مجازا في الامتثال ، وَأَطَعْنا تأكيدا له . وهذا من استعمال سمع ، ومنه قولهم : بايعوا على السمع والطّاعة . وقال النّابغة يذكر حالة من لدغته حيّة فأخذوا يرقونه :